
مرّت عشر سنوات على تشريع ما يُعرف بـ”المساعدة الطبية على الموت” (MAID) في كندا، منذ دخول القانون حيّز التنفيذ في 17 يونيو 2016، وهو التشريع الذي غيّر بشكل جذري طريقة تعامل النظام الصحي الكندي مع المرضى الذين يعانون من أمراض خطيرة وآلام لا يمكن تخفيفها.
وخلال العقد الماضي، تحوّل هذا الإجراء من استثناء قانوني محدود إلى جزء راسخ من منظومة الرعاية الصحية في البلاد، وسط جدل أخلاقي وقانوني وسياسي لا يزال مستمراً حتى اليوم.
وبحسب أحدث بيانات وزارة الصحة الكندية حتى نهاية عام 2024، فقد بلغ إجمالي عدد الأشخاص الذين حصلوا على المساعدة الطبية على الموت 76,475 شخصاً منذ بدء تطبيق القانون، وهو رقم يعتبره مراقبون من أكبر أعداد الحالات المسجلة عالمياً ضمن الأنظمة المشابهة.
وتشير البيانات إلى أن عدد مقدمي الخدمة المعتمدين وصل إلى 2,266 متخصصاً صحياً خلال عام 2024، بينهم أطباء وممرضون ممارسون مخولون قانونياً بتقييم الطلبات وتنفيذ الإجراءات وفق شروط صارمة يحددها القانون الفيدرالي.
ومنذ صدور الحكم التاريخي للمحكمة العليا الكندية عام 2015 في قضية “كارتر ضد كندا”، والذي مهد الطريق لإلغاء الحظر المفروض على المساعدة الطبية على الموت، شهدت التشريعات الكندية عدة تعديلات هدفت إلى توسيع أهلية الاستفادة من البرنامج.
وفي عام 2021، أقر البرلمان الكندي تعديلات جوهرية عُرفت باسم Bill C-7، والتي ألغت شرط أن تكون الوفاة الطبيعية متوقعة بشكل معقول للاستفادة من الخدمة، ما أدى إلى إنشاء مسارين قانونيين مختلفين للحالات المؤهلة.
ويشمل المسار الأول المرضى الذين أصبحت وفاتهم متوقعة طبياً، بينما يشمل المسار الثاني الأشخاص الذين يعانون من حالات مرضية خطيرة ومزمنة تسبب معاناة لا تطاق، حتى لو لم تكن الوفاة وشيكة.
وتظهر الأرقام أن نحو 5% من إجمالي الوفيات في كندا أصبحت تتم عبر المساعدة الطبية على الموت، وهي نسبة ارتفعت بشكل مطرد خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس توسع استخدام هذا الخيار داخل المجتمع الكندي.
ويبلغ متوسط عمر الأشخاص الذين حصلوا على الخدمة نحو 77.9 عاماً، فيما بقي مرض السرطان السبب الطبي الأكثر شيوعاً بين المستفيدين، يليه عدد من الأمراض العصبية والتنكسية وأمراض القلب والجهاز التنفسي.
وخلال عام 2024 وحده، سُجلت 16,499 حالة وفاة بموجب هذا التشريع، منها 15,767 حالة ضمن المسار الأول الذي تكون فيه الوفاة متوقعة طبياً.
أما المسار الثاني فقد شهد 732 حالة، بينها 378 حالة مرتبطة بأمراض عصبية مزمنة ومعقدة.
وتكشف البيانات أيضاً عن جانب آخر من العملية، إذ تم رفض 1,327 طلباً بسبب عدم استيفاء الشروط القانونية، بينما سحب 692 شخصاً طلباتهم بعد تقديمها، وتراجع 68 شخصاً عن قرارهم في اللحظات الأخيرة قبل تنفيذ الإجراء.
كما توفي 4,017 شخصاً بعد تقديم الطلب وقبل استكمال جميع الخطوات القانونية والطبية المطلوبة.
انتقادات متزايدة وتشكيك في توسع البرنامج
ورغم الدعم الذي يحظى به البرنامج من قطاعات واسعة من الرأي العام الكندي ومنظمات حقوق المرضى، إلا أن الانتقادات الموجهة إليه ازدادت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.
ويحذر منتقدون من أن التوسع المستمر في معايير الأهلية قد يؤدي إلى تحويل المساعدة الطبية على الموت من خيار استثنائي للحالات النهائية إلى حل يتم اللجوء إليه بسبب نقص الخدمات الصحية أو الاجتماعية.
وتقول منظمات تمثل ذوي الإعاقات إن بعض المرضى قد يشعرون بضغوط غير مباشرة لاختيار الموت بسبب الفقر أو العزلة أو عدم توفر خدمات الرعاية المنزلية والدعم النفسي الكافي.
كما أثار عدد من الخبراء مخاوف بشأن تفاوت الخدمات الصحية بين المقاطعات الكندية، معتبرين أن بعض الأشخاص قد يجدون الوصول إلى خيار المساعدة على الموت أسهل من الحصول على العلاج أو الرعاية طويلة الأمد.
وتتمحور إحدى أكبر نقاط الجدل حول خطة توسيع البرنامج مستقبلاً ليشمل الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية فقط، من دون وجود مرض جسدي خطير.
ويؤكد معارضو هذا التوجه أن تشخيص الأمراض النفسية أكثر تعقيداً من الأمراض الجسدية، وأن القدرة على التنبؤ بإمكانية التعافي تبقى محدودة في كثير من الحالات.
كما حذر أطباء نفسيون من أن الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب الحاد أو الأفكار الانتحارية قد يتخذون قرارات لا تعكس رغبة مستقرة ودائمة بالموت.
ومن جهة أخرى، يرى المدافعون عن البرنامج أن منع المرضى النفسيين بشكل مطلق من الاستفادة منه قد يشكل تمييزاً ضد فئة معينة من المرضى الذين يعانون معاناة شديدة ومستمرة.
وتحت ضغط هذا الجدل، قررت الحكومة الفيدرالية تأجيل توسيع البرنامج ليشمل الأمراض النفسية حتى عام 2027 على الأقل، لإعطاء الأنظمة الصحية مزيداً من الوقت للاستعداد ووضع الضوابط اللازمة.
وبينما يرى المؤيدون أن المساعدة الطبية على الموت تمثل حقاً شخصياً وامتداداً لمبدأ الكرامة والاستقلالية الفردية، يعتبرها المعارضون أحد أكثر التحولات الأخلاقية إثارة للجدل في تاريخ النظام الصحي الكندي الحديث.
وبعد عشر سنوات من إقرار القانون، يبدو أن النقاش حول حدود هذا الحق وكيفية تطبيقه لن يتوقف قريباً، خاصة مع استمرار ارتفاع الأعداد واتساع دائرة الفئات المؤهلة للاستفادة منه.























