Canada - كنداTop Slider

الحرب التجارية تدخل مرحلة جديدة .. ترامب يتهم كندا باستغلال أميركا (النشرة السياسية)

Trump says in 'no rush' to resume Canada trade talks

في وقت تتصاعد فيه التوترات التجارية بين كندا والولايات المتحدة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه ليس في عجلة من أمره لاستئناف المفاوضات التجارية مع أوتاوا، في موقف يعكس استمرار الخلافات بين البلدين، رغم العلاقات الاقتصادية الوثيقة التي تجمعهما.

وجاءت تصريحات ترامب بعد انهيار المحادثات التجارية بين البلدين في أغسطس/آب الماضي، في وقت لم يتم فيه تحديد موعد واضح لاستئناف مفاوضات شاملة تهدف إلى تخفيف الرسوم الجمركية وإعادة الاستقرار إلى العلاقات التجارية بين الجانبين.

وقال ترامب، في أحدث تصريحاته، إنه لا يعرف متى ستُستأنف المحادثات، مضيفاً: «أنا لست في عجلة من أمري»، ومكرراً انتقاداته لكندا بسبب ما وصفه بالرسوم الجمركية والحواجز التجارية التي تفرضها على المنتجات الأميركية.

وأضاف ترامب أن كندا، بحسب وصفه، «تتعامل بشكل سيئ للغاية مع الولايات المتحدة»، واتهمها بأنها استفادت من العلاقات التجارية مع واشنطن لسنوات، قائلاً إن ما تطلبه الولايات المتحدة من كندا هو «أن تكون صادقة».

انهيار المفاوضات في أغسطس

وتأتي تصريحات الرئيس الأميركي بعد انهيار المفاوضات بين البلدين في أغسطس، عندما توقفت الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق تجاري جديد يخفف حدة النزاع المتصاعد منذ بداية الحرب التجارية.

وكان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قد أكد أن كندا لا تريد التوصل إلى اتفاق تحت ضغط المهلة أو تقديم تنازلات لا تتوافق مع مصالحها الاقتصادية، في وقت تسعى فيه الحكومة الكندية إلى الحفاظ على قدرتها على حماية العمال والشركات والقطاعات الصناعية الرئيسية.

وبدلاً من التوصل إلى تسوية، دخل البلدان مرحلة جديدة من الإجراءات التجارية المتبادلة، مع استمرار الولايات المتحدة في فرض رسوم على قطاعات ومنتجات كندية، وردّ أوتاوا بإجراءات مضادة تستهدف مجموعة من السلع الأميركية.

رسوم متبادلة وتصعيد اقتصادي

لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي حول شروط اتفاق تجاري، بل تحولت إلى إجراءات ملموسة تؤثر في الشركات وسلاسل التوريد على جانبي الحدود.

وفرضت كندا رسوماً مضادة على مجموعة من المنتجات الأميركية، شملت قطاعات مثل الصلب والألمنيوم وبعض المنتجات الصناعية والزراعية والسلع الاستهلاكية.

وتقول الحكومة الكندية إن الإجراءات المضادة تهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية الكندية والرد على الرسوم الأميركية، مع محاولة تجنب توسيع نطاق الإجراءات إلى درجة تؤدي إلى أضرار أكبر للمستهلكين والشركات الكندية.

وفي المقابل، واصلت واشنطن استخدام الرسوم الجمركية كأداة للضغط على أوتاوا، كما اتخذت إجراءات إضافية ضد بعض المنتجات الكندية.

وهكذا باتت الشركات أمام بيئة تجارية أكثر تعقيداً، إذ لم تعد تعرف فقط تكلفة الإنتاج والشحن، وإنما بات عليها أيضاً احتساب الرسوم الجمركية والسياسات التجارية المتغيرة عند اتخاذ قرارات الاستثمار والتصدير.

السيارات.. القطاع الأكثر حساسية

ويبرز قطاع السيارات وقطع الغيار باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في النزاع التجاري.

فقطاع السيارات في كندا مرتبط بصورة وثيقة بالولايات المتحدة، إذ تنتقل السيارات وقطعها ومكوناتها بين المصانع والموردين في البلدين عدة مرات خلال مراحل الإنتاج.

وتشكل أونتاريو قلب صناعة السيارات الكندية، الأمر الذي يجعل أي زيادة كبيرة في الرسوم على المركبات أو قطع الغيار ذات تأثير مباشر على المصانع والعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على هذا القطاع.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى منطقة وندسور–إسكس، التي ترتبط اقتصادياً بصورة وثيقة بمدينة ديترويت الأميركية عبر نهر ديترويت، وتضم شبكة واسعة من شركات تصنيع السيارات وقطع الغيار والخدمات المرتبطة بها.

وفي حال ارتفاع الرسوم على السيارات والمكونات، فإن التأثير قد لا يتوقف عند الشركات التي تصدر مباشرة إلى الولايات المتحدة، بل يمكن أن يمتد إلى سلسلة طويلة من الموردين والنقل والخدمات اللوجستية والعمال.

كندا تحاول تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة

أحد أهم التحولات التي ظهرت نتيجة الأزمة التجارية هو أن الحكومة الكندية بدأت تتعامل مع تنويع الأسواق باعتباره ضرورة اقتصادية وليس مجرد خيار طويل الأمد.

فالولايات المتحدة كانت لعقود الشريك التجاري الأكبر لكندا، وأصبحت السوق الأميركية الوجهة الرئيسية لغالبية الصادرات الكندية.

لكن تصاعد الخلاف دفع أوتاوا إلى البحث عن أسواق بديلة وتعزيز العلاقات التجارية مع أوروبا وآسيا والهند والبرازيل وتركيا وغيرها.

وتحاول حكومة كارني في الوقت نفسه تعزيز التجارة داخل كندا وتشجيع الشركات الكندية على توسيع صادراتها إلى أسواق جديدة، بحيث لا تصبح الشركات الكندية معرضة بالدرجة نفسها لتقلبات السياسة التجارية الأميركية.

وقد أصبح هذا التوجه أكثر وضوحاً في الأشهر الأخيرة مع تحرك الحكومة نحو توسيع العلاقات التجارية والاستثمارية مع شركاء دوليين جدد.

لكن كندا لا تستطيع ببساطة استبدال السوق الأميركية

ورغم محاولات تنويع التجارة، فإن الانتقال إلى أسواق أخرى ليس أمراً سريعاً أو سهلاً.

فالقرب الجغرافي من الولايات المتحدة، والبنية التحتية المشتركة، وسلاسل الإمداد العابرة للحدود، والاعتماد المتبادل بين المصانع والشركات، كلها عوامل جعلت الاقتصادين الكندي والأميركي شديدي الترابط.

وتوجد آلاف الشركات الكندية التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على السوق الأميركية، كما تعتمد شركات أميركية كثيرة على المواد والمنتجات والمكونات الكندية.

ولهذا فإن أي حديث عن «انفصال اقتصادي» كامل بين البلدين يواجه واقعاً عملياً شديد التعقيد.

مفارقة في أرقام التجارة

وفي تطور اقتصادي لافت، سجلت كندا في أغسطس فائضاً تجارياً أكبر من المتوقع، كما ارتفعت صادراتها إلى الولايات المتحدة.

لكن خبراء الاقتصاد يحذرون من تفسير هذه الأرقام باعتبارها دليلاً على انتهاء تأثير الرسوم.

فالعديد من الشركات قد تكون سارعت إلى شحن المنتجات إلى الولايات المتحدة قبل دخول رسوم جديدة حيز التنفيذ، وهو ما يمكن أن يؤدي مؤقتاً إلى ارتفاع الصادرات قبل ظهور التأثير الحقيقي للإجراءات التجارية الجديدة في البيانات.

وبالتالي، فإن الأشهر المقبلة ستكون أكثر أهمية لمعرفة مدى تأثير الحرب التجارية على التجارة والاستثمار والإنتاج والوظائف.

CUSMA.. المعركة الأكبر قد تكون في 2027

ولا تقتصر القضية على الرسوم الحالية.

فالمستقبل التجاري بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك مرتبط أيضاً بمراجعة اتفاقية CUSMA، المعروفة في الولايات المتحدة باسم USMCA، والتي تحكم جزءاً كبيراً من التجارة بين الدول الثلاث.

ومن المقرر أن تشهد الاتفاقية مراجعة مشتركة في عام 2027، وقد بدأت الولايات المتحدة بالفعل خطوات تحضيرية للحصول على آراء الشركات والقطاعات الاقتصادية بشأن مستقبل الاتفاقية.

وهذا يعني أن الخلاف الحالي حول الرسوم قد يكون مقدمة لمعركة تفاوضية أكبر تتعلق بقواعد التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد في أميركا الشمالية لسنوات قادمة.

ماذا يعني ذلك للكنديين؟

بالنسبة للمواطن الكندي العادي، قد تظهر آثار النزاع التجاري بصورة غير مباشرة من خلال الأسعار وتكاليف الشركات وفرص العمل.

فعندما تواجه شركة كندية رسوماً أعلى عند تصدير منتجاتها إلى الولايات المتحدة، فإنها قد تضطر إلى تحمل جزء من التكلفة، أو رفع الأسعار، أو البحث عن أسواق أخرى، أو تقليل الإنتاج.

وفي قطاعات مثل السيارات والصلب والألمنيوم والغابات والزراعة، يمكن أن تؤثر الرسوم على قدرة الشركات على المنافسة، وبالتالي على العمال والمجتمعات التي تعتمد اقتصادياً على هذه الصناعات.

وفي المقابل، قد تؤدي الرسوم الكندية على المنتجات الأميركية إلى ارتفاع أسعار بعض السلع المستوردة في السوق الكندية، خصوصاً إذا لم تتوافر بدائل محلية أو من دول أخرى بأسعار مماثلة.

هل تقترب التسوية أم يطول النزاع؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على قرب التوصل إلى اتفاق شامل.

تصريحات ترامب الأخيرة بأنه «ليس في عجلة من أمره» تعني أن واشنطن مستعدة لمواصلة الضغط، بينما تحاول أوتاوا تجنب تقديم تنازلات تعتبرها غير ضرورية، وفي الوقت نفسه تعمل على تنويع الأسواق التجارية.

وفي الوقت ذاته، لا تبدو أي من الدولتين راغبة في قطع العلاقات التجارية بصورة كاملة، نظراً إلى حجم التجارة والاستثمارات والوظائف المرتبطة بها.

ولهذا فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المرحلة المقبلة هو استمرار المفاوضات المتقطعة بالتوازي مع الرسوم والإجراءات التجارية، إلى أن تتضح ملامح المراجعة المرتقبة لاتفاقية CUSMA.

علاقة تجارية لا يمكن تجاهلها

ورغم اللهجة السياسية الحادة المتبادلة، يبقى واقع الاقتصاد أكثر تعقيداً.

فالولايات المتحدة وكندا من أكثر الاقتصادات ترابطاً في العالم، وتنتقل مليارات الدولارات من السلع والخدمات بين البلدين، فيما تعتمد آلاف الشركات والملايين من الوظائف على استمرار تدفق التجارة عبر الحدود.

لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: متى ستعود كندا والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات؟

بل أصبح السؤال الأوسع: هل ستتمكن الدولتان من إعادة بناء قواعد تجارية مستقرة، أم أن العلاقات الاقتصادية بينهما ستدخل مرحلة جديدة من الرسوم والحواجز والتنويع التجاري؟

وفي ظل عدم استعجال واشنطن للعودة إلى المفاوضات، واستمرار أوتاوا في البحث عن أسواق بديلة، يبدو أن الحرب التجارية بين الجارتين لم تصل بعد إلى نهايتها، وأن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد شكل العلاقة الاقتصادية بين كندا والولايات المتحدة لسنوات قادمة.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى