Canada - كنداTop Sliderمقالات - Articles

إشارة مرور سياسية

*بقلم: الأستاذ الشيخ عبدالمنعم الرياحي / وندسور – كندا

1- تنظيم حركة المرور عملية خطيرة، تعتمد عليها سلامة العابرين من مشاة وآليات، تتولاها اليوم أجهزة إلكترونية دقيقة، ومع ذلك فإن حوادث المرور كثيرة وخطيرة، نتيجة لأخطاء البشر وتعطل الآلات.

2- في القرن المنصرم، كانت العملية موكولة إلى شرطي السير، رجل متخصص، يقف على شرفة في ملتقى الشوارع، أمامه عمود حديدي تعلوه إشارة على شكل صليب، أحد ضلعيه أحمر والأخر اخضر، وله مقبض في متناول الشرطي، يديره نحو اليمين تارة ونحو اليسار تارة، فتقف سيارات، وتنطلق سيارات. على نحو ما يحدث اليوم.

3- على غرار الشارع الأرضي، تقوم في أيامنا إشارة مرور على الشارع السياسي يديرها رئيس دولة عظمى، يفتح الإشارة فتنطلق حكومات في دويلات العالم الثالث وتزول حكومات، على حالة تشبه ما كان يحصل من قبل مع الفارق. فقد كانت العملية تسير لمصلحة العابرين أما اليوم فإنها تجري لمصلحة الشرطي.

4- في سورية، يوم انطلقت الثورة الشعبية على الحكم الديكتاتوري الطائفي البغيض أعلن الرئيس الأمريكي أوباما أن على الأسد أن يتنحى، فاشتدت عزيمة الثوار، وانطلقت في مدينة حماة تظاهرة مليونية لم يسبق لها مثيل، فأرسل أوباما سفيره فورد يستطلع الأمر، فذهب إلى حماة، ثم عاد إلى دمشق ليحذر الإدارة الأمريكية من جبهة النصرة، فأسرعت وزيرة الخارجية الى إعلان أن على الأسد أن يقوم بإصلاحات دستورية. وكان ذلك بمثابة خذلان للثوار. وبقيت الإشارة مفتوحة للأسد.

5- اليوم فتحت الإشارة لهيئة تحرير الشام، فانطلقت الكتائب من محبسها في إدلب، لتحرر البلاد في بضعة أيام، وفر الأسد بخزينة الدولة إلى روسيا بعدما انتهت مهمته في سورية، وبقيت الإشارة مفتوحة لتسويات في الشرق الأوسط، كما يوافق مصالح الشرطي!

6- ليت الشعوب تعرف هذه الحقيقة، فتحسن التصرف في مواجهة الحكام. وفي المثل المشهور، إذا كنت المطرقة فاحكم الطرق حتى تبلغ الأمنيات، وإذا كنت السندان فأحسن تلقي الضربات. وإن الحكام يعرفون هذه الحقيقة فهم يحكمون الضربات، فليت الشعوب تعرفها حتى لا تفارق الحياة.

7- الكفاح المسلح أسلوب مارسته بعض الشعوب فنالت حريتها، ومارسته شعوب أخرى فلم تبلغ مرادها وحين لا توفر الظروف المواتية لنجاح الثورة، فليت الشعوب تمارس اسلوب الكفاح السلمي أو السلبي، التظاهر، والإضراب، والعصيان المدني، وغيرها من أساليب اللاعنف، ولتحذر استدراجها إلى العنف، ولنا في الهند، وفي الفلبين، وجورجيا، أمثلة في الخلاص من. الاستبداد. وفي عالمنا العربي، في تونس مثال قريب في ثورة الياسمين.

8- محمد البوعزيزي بائع متجول من ولاية سيدي بو زيد، يسعى لكسب ما يوفر له لقمة العيش، على عربة يعرض عليها الخضار والفواكه، عدت عليه شرطية منعته من العمل، وحطمت عربته آلة رزقه، فأشعل النار بنفسه حتى فارق الحياة. فاستنكر الحادثة رجال من المواطنين بهتافات معادية للحكومة آلت إلى اعتقالهم، وتبع ذلك احتجاجات من المواطنين في الولاية وفي مدن مجاورة، آلت إلى ثورة شعبية عرفت بثورة الياسمين، أطاحت بحكومة زين العابدين بن علي الذي غادر البلاد إلى السعودية حتى حضرته الوفاة. ولاتزال تونس بعده بانتظار إشارة المرور المتوقفة منذ سنوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى