
“العالم يمكنه إحراز التقدم دون الولايات المتحدة”، بهذه الجملة القاطعة، افتتح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مرحلة سياسية جديدة، معلنًا انتقال كندا من موقع الدولة المعتمدة تجاريًا وسياسيًا على واشنطن، إلى دولة تبحث عن مسار مستقل في نظام دولي يعاد تشكيله بحسب ما نقلت هيئة البث الكندية “سي بي سي”.
خلال قمة مجموعة العشرين التي اختتمت أمس الأحد في جوهانسبرغ، جنوب أفريقيا.

وبينما اجتمع قادة من جميع أنحاء العالم خلال عطلة نهاية الأسبوع، قاطعت إدارة ترامب الحدث بعد أن طالبت جنوب أفريقيا القائد العام للقوات المسلحة بإصدار إعلان، رغم الاعتراضات الأمريكية المستمرة والقوية، وفقًا للمتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي.

لكن غياب ترامب كان بمثابة وسيلة استخدمها كارني للهجوم على الرئيس، وقال كارني خلال مؤتمر صحفي يوم الأحد: “جمعت قمة مجموعة العشرين هذا العام دولًا تمثل ثلاثة أرباع سكان العالم، وثلثي الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وثلاثة أرباع التجارة العالمية، وذلك دون حضور الولايات المتحدة رسميًا”.
وأضاف: “إنه تذكيرٌ بأن مركز الثقل في الاقتصاد العالمي آخذٌ في التحول”.
وعندما سأله أحد الصحفيين عما إذا كان قرار ترامب بعدم حضور القمة سيُلحق “ضررًا بالتعددية”، شدد رئيس الوزراء على التركيز على من حضر.
وأضاف كارني: “هذه هي التعددية، أما بالنسبة للوظيفة، فأنا أنظر إليها من خلال من يحضر، ومن يتفاعل، ومن يقوم بالعمل، ومن يبني”.
وتابع: “كندا تُشارك .. أعتقد أننا معًا أحرزنا تقدمًا كبيرًا.”
ومع تصاعد الاضطرابات الداخلية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق ما كشفته بلومبيرغ، تعمل أوتاوا على إعادة بناء تحالفاتها مع الصين والإمارات والهند وجنوب أفريقيا، مدركة أن الفرص متاحة، لكن الأخطار كبيرة.
وفي حين تتسارع التحولات الجيوسياسية، تتقدم كندا بخطوات محسوبة نحو توازن جديد بين الانفتاح العالمي والحذر الإستراتيجي.
هل هي قطيعة مع واشنطن؟

ورغم أن كندا تعيد التموضع عالميًا، فإنها لا تتجه نحو قطيعة مع الولايات المتحدة، فقد قال كارني للصحفيين -وفق رويترز- “ليس لدي قضية ملحّة لأتحدث مع الرئيس ترامب الآن”، مضيفًا أن بلاده ستستأنف المباحثات التجارية مع واشنطن “عندما يكون الوقت مناسبًا”. وعندما سُئل عمّا إذا كان ينوي التواصل مع ترامب، أجاب كما نقلت سي بي سي: “سأتحدث معه حين يصبح للأمر أهمية”.
ويعود هذا الحذر إلى أن الرسوم الأميركية على الصلب والألمنيوم والسيارات أضرت بالاقتصاد الكندي، في حين علّق ترامب المفاوضات الشهر الماضي بسبب إعلان مدفوع مناهض للرسوم أصدرته حكومة أونتاريو.
ويؤكد محللون تحدثت إليهم وكالة بلومبيرغ أن الاعتماد على إدارة أميركية مضطربة يمثل مخاطرة، لكن في المقابل، فإن أي انفصال تجاري جذري قد يعرض كندا لهزات اقتصادية حادة، مما يجعل الإستراتيجية الحالية أقرب إلى “فك ارتباط تدريجي” لا “هروب كامل”.
مشهد أميركي مرتبك ينعكس على كندا
وتنقل بلومبيرغ صورة قاتمة لموقع ترامب داخل الولايات المتحدة، حيث حزب جمهوري منقسم، وشلل تشريعي، وانسحاب مارجوري تايلور غرين من الكونغرس، وتوتر مع قيادات بارزة مثل جون ثيون ومايك جونسون، كما يشير التقرير إلى أن 76% من الأميركيين يرون الاقتصاد في حالة سيئة، وأن شعبية ترامب تراجعت إلى 41%.
وتسبب خلاف ترامب مع الكونغرس حول ملفات “إبستين”، والضرائب، والرعاية الصحية، والعقوبات على روسيا، في تعميق الفوضى السياسية، مما يزيد من صعوبة توقع سياسات واشنطن التجارية.
ويرى محللون أن هذه الاضطرابات تمنح كندا مجالا أوسع للتحرك، لكنها أيضًا تفرض عليها الحذر، لأن أي تغيير مفاجئ في موقف البيت الأبيض قد يعيد خلط الأوراق.
كندا والصين.. منعرج سياسي وتجاري

وتصدرت الصين خطاب كارني ومقارباته الجديدة، إذ وُصف لقاؤه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ بأنه كان “طويلا في الانتظار” ويمثل “منعطفا في العلاقة”، وفق ما نقلته سي بي سي، في إشارة إلى رغبة كندا في ترميم علاقات متوترة منذ 2018.
ورغم أن بكين تُعد ثاني أكبر شريك تجاري لكندا، فإن صادرات أوتاوا إليها لا تتجاوز 30 مليار دولار كندي (نحو 21.3 مليار دولار أميركي)، أي نحو 5% فقط من إجمالي صادرات كندا، مقارنة بـ75% تتجه نحو الولايات المتحدة.
إلا أن الطريق مع الصين ليس مفروشًا بالضمانات، فالحرب التجارية بين البلدين ما تزال قائمة:
- رسوم كندية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية،
- ورسوم صينية على الكانولا واللحوم البحرية ولحم الخنزير الكندي.
ويقدّر المجلس الكندي للأعمال مع الصين خسائر هذه الحرب بمليارات الدولارات سنويا، مما يجعل تخفيف التصعيد ضرورة ملحّة.
ومع ذلك، يرى خبراء نقلت سي بي سي عنهم أن التعاون مع الصين يمثل “فرصة إستراتيجية”، خاصة في مجالات التكنولوجيا الخضراء، والمعادن النادرة، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي.
فالصين تسيطر على جانب كبير من سلسلة توريد المعادن النادرة، في حبن تحتاج كندا إلى تسريع مشاريعها المرتبطة بالطاقة والابتكار لمجاراة التحولات العالمية، لكن محللين يحذرون من أن “الانفتاح على الصين يحتاج إلى عيون مفتوحة”، خصوصًا في قضايا الأمن السيبراني والحساسيات السياسية الداخلية.
رسم خريطة خارج المدار الأميركي

ومن الصين إلى الإمارات، يتحرك كارني على أكثر من محور لتعزيز استقلال كندا الاقتصادي. ففي أبوظبي، أعلن كارني عن أكبر تعهد استثماري في تاريخ كندا بقيمة 70 مليار دولار كندي (نحو 49.7 مليار دولار أميركي)، وهو ما وصفه بأنه “نقطة تحول” في قدرة بلاده على جذب التمويل الخارجي لصالح مشروعات التكنولوجيا والطاقة والمعادن والبنية التحتية.
وفي جوهانسبرغ، عقد كارني لقاءً مهمًا مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لإعادة إصلاح العلاقات المتوترة منذ أزمة 2023 المتعلقة باتهامات باغتيال سياسي معارض.
ويقول خبراء نقلت عنهم سي بي سي إن الهند ليست مجرد شريك إضافي، بل “ضرورة جيوسياسية” في ظل تعاون محتمل في التكنولوجيا والزراعة والطاقة، خاصة مع دخول الصين والهند في منافسة حادة على النفوذ الاقتصادي في آسيا.
كارني يؤكد: نيودلهي شريك تجاري موثوق ونستعد لمرحلة جديدة
قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إن حكومته تعتبر الهند “شريكاً تجارياً موثوقاً”، مؤكداً أنّ أوتاوا تسعى إلى إعادة بناء العلاقات بعد سنوات من التوترات التي وصلت ذروتها عام 2023 عقب اتهامات كندية بضلوع عناصر مرتبطة بالحكومة الهندية في اغتيال الزعيم السيخي هارديب سينغ نيجار.
كارني أوضح خلال مشاركته في قمة الاستثمار الكندية–الإماراتية في أبوظبي أن العلاقات التجارية مع الهند يمكن أن تتوسع بشكل كبير إذا تم التوصل إلى اتفاق شراكة اقتصادية شاملة، مشيراً إلى أن “الخلافات بين الدول واردة، لكن وجود آليات واضحة للتسوية يجعل الشراكة ممكنة وقابلة للتطوير”.
استقلال اقتصادي كندي
وتبدو كندا اليوم أمام مسار مزدوج، فلديها فرصة لبناء استقلال اقتصادي حقيقي عبر الصين والإمارات والهند، وفي الوقت نفسه تحديات سياسية وتجارية معقدة قد تجعل هذه الاستقلالية مكلفة إذا لم تُدر بحكمة.
فالصين تقدم سوقًا وتكنولوجيا بحسب خبراء، لكنها تحمل أخطارا سياسية، والهند شريك إستراتيجي، لكنها تحتاج إلى ترميم الثقة، والإمارات توفر تمويلا تاريخيا، لكنه يستلزم التزامات طويلة الأمد. أما الولايات المتحدة، فتبقى الشريك الأكبر والأكثر تقلبًا.
وفي هذا المزيج المعقد، تحاول كندا التحرك بثبات نسبي، بحيث لا تنفصل عن واشنطن، ولا تنخرط في تفاؤل مفرط بالشركاء الجدد، بل تبحث عن صيغة تحفظ مصالحها وتمنحها وزنًا في عالم لم يعد للولايات المتحدة فيه الهيمنة ذاتها.
أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي يحذرون من الانفصال الثقافي مع الكنديين

حذر عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي من تدهور في العلاقات مع الجار الكندي يتجاوز الخلافات التجارية، مؤكدين وجود انقطاع ثقافي ينعكس على نظرة الكنديين لجيرانهم الجنوبيين.
وخلال مشاركتهم في منتدى هاليفاكس الدولي للأمن يوم السبت، ذكر السيناتور أنغوس كينغ من ولاية مين أن الرسوم التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ألحقت ضررا اقتصاديا بكندا، لكن ما يقلقه أكثر هو التغيّر في المزاج الشعبي الكندي.
وتابع: “لطالما كان هناك خلافات بين الجيران، لكن المشكلة الأعمق هي الانفصال الثقافي.. لم يعد ينظر الكنديون إلى الأميركيين كأصدقاء، بل كخصوم”.
واستقطب المنتدى، الذي يركز هذا العام على الديمقراطية، أكثر من 300 مشارك من سياسيين وعسكريين وخبراء وباحثين.
وخلال جلسة، قال كينغ إن الشرخ الحالي يثير القلق خصوصا في الولايات الحدودية مثل مين، حيث يتنقل السكان يوميا بين الجانبين الكندي والأمريكي.
بينما حاول السيناتور الجمهوري توم تيليس التخفيف من حدة النقاش، مشيرا إلى أن البلدين جزء من عائلة ديمقراطية تربطها مصالح وتاريخ مشترك، وأنهما سيدعمان بعضهما البعض لو تعرض أحدهما للتهديد.
لكنه سرعان ما انتقد كندا بسبب عدم التزامها الكامل بتمويل دفاعات حلف شمال الأطلسي، قائلا إن الحكومة الكندية تدين بأكثر من 300 مليار دولار للحلف، وإن الحكومات المتعاقبة لم تفي بوعودها.
في الوقت نفسه، قالت السياسية الأمريكية السابقة جين هارمان إن كندا اتخذت خطوات فعلية لزيادة إنفاقها العسكري، مشيرة إلى إعلان رئيس الوزراء مارك كارني خطة لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول مارس المقبل.
ورغم التوترات الأخيرة، أعرب السيناتور الجمهوري كيفن كريمر من داكوتا الشمالية عن أمله في أن تُعالج الخلافات، عبر العودة إلى طاولة المفاوضات.
البيت الأبيض يؤجل فرض الرسوم على السلع الكندية

كشف مسؤول أميركي لموقع “بولتيكو” أن البيت الأبيض قرر تأجيل تطبيق الرسوم الجمركية الجديدة على السلع الكندية، والتي كان من المتوقع أن ترفع النسبة إلى 45%، مكتفيا بالاحتفاظ بهذا الإجراء كأداة ضغط للمحادثات المقبلة.
ولم تصدر إدارة ترامب أي تعليمات لفرض الرسوم.
وأشار الموقع إلى أنه لم تصدر أي توجيهات رسمية تلزم إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية بفرض الرسوم، كما لم يتلق المستوردون الأميركيون أي توجيهات بهذا الخصوص، رغم مرور شهر على توقف المفاوضات.
ولم يصدر البيت الأبيض أي تعليق بشأن هذه التفاصيل حتى الآن.
كان الرئيس الأميركي ترامب قد علّق المحادثات بعد إعلان مناهض للرسوم الجمركية أصدرته حكومة إقليم أونتاريو. وأعلن إلغاء المفاوضات مع كندا.
وظهر الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان في إعلان إقليم أونتاريو وهو يقول إن فرض رسوم على السلع الأجنبية يؤدي إلى حروب تجارية وفقدان للوظائف. وكان يُعرف ريغان بدعمه القوي للسوق الحرة والتجارة الحرة.
وتسعى كندا للتوصل إلى اتفاق يهدف إلى خفض الرسوم التي فرضها ترامب على استيراد الصلب والألمنيوم والسيارات.
AF,AJ




















