
وندسور – أوتاوا | الفرقان
من أمام البرلمان الكندي في أوتاوا إلى ساحة بلدية وندسور، حمل ارتفاع العلم اللبناني يوم أمس رسالة تتجاوز حدود المراسم: للجالية اللبنانية مكان في الحكاية الكندية، وللأرز حضور في ذاكرة أجيال صنعت حياتها هنا، وحافظت على صلتها ببلدها الأم.
وفي نوفمبر، الذي تحتفي فيه كندا بشهر التراث اللبناني، تتجدد مساحة اللقاء بين هويتين جمعتهما تجارب الهجرة والعمل والعائلة. وتأتي احتفالات هذا العام بمشاركة وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي، ووزيرة الهجرة واللاجئين والمواطنة الكندية لينا متلج دياب، المتحدرة من أصول لبنانية، لتمنح المناسبة بعداً رسمياً وشعبياً يعكس عمق الروابط بين البلدين.
وندسور ترفع العلم وتكرّم أبناء الجالية
في وندسور، رُفع العلم اللبناني أمام مبنى البلدية يوم الخميس 5 نوفمبر 2026، في مراسم نظمها النادي اللبناني الكندي في وندسور وإسكس، احتفاءً بشهر التراث اللبناني وتقديراً لحضور الكنديين من أصل لبناني وإسهاماتهم في المنطقة.
وقال رئيس النادي حسين ظريف، بحسب تقرير إذاعة AM800 المحلية، إن رفع العلم يمثل اعترافاً بإنجازات أبناء الجالية وبالتنوع الثقافي في وندسور وإسكس. وأشار إلى أن رؤية العلم أمام البلدية تحمل أهمية وجدانية لمن غادروا وطنهم لأسباب مختلفة، وتمنحهم إحساساً باستمرار الصلة بالجذور داخل مجتمعهم الكندي.
وتنسجم هذه المراسم مع إدراج بلدية وندسور نوفمبر 2026 ضمن إعلاناتها الرسمية بوصفه شهر التراث اللبناني. وبذلك يجتمع الاعتراف البلدي مع المبادرة الأهلية في مشهد يضع تراث الجالية ضمن الحياة العامة للمدينة.
وللمناسبة معنى خاص في منطقة تشكل الهجرة جزءاً أساسياً من شخصيتها. فالعلم أمام البلدية يفتح باباً للتعريف بقصص العائلات، وبالمسافة التي قطعتها بين الوصول إلى بلد جديد والمشاركة في بنائه، كما يمنح أبناء الأجيال الجديدة فرصة لرؤية تراثهم حاضراً في الفضاء العام.
ليزا غريتسكي: الجالية اللبنانية ركيزة في وندسور وإسكس
من جهتها، أشادت ليزا غريتسكي، نائبة دائرة وندسور ويست في برلمان أونتاريو، بمراسم رفع العلم أمام بلدية وندسور، معتبرةً أنها احتفاء بالثقافة اللبنانية الغنية وتاريخ الجالية وإسهاماتها.
وأكدت غريتسكي أن الجالية اللبنانية تشكل جزءاً مهماً من مجتمع وندسور وإسكس، وتسهم بصورة كبيرة في النمو الاقتصادي للمنطقة، وفي الأعمال المحلية والرعاية الصحية والتعليم والحياة المجتمعية.
ووجّهت الشكر إلى جميع الذين يواصلون الحفاظ على التراث اللبناني والاحتفاء به ونقله إلى الأجيال المقبلة، مختتمةً رسالتها بالتهنئة بمناسبة شهر التراث اللبناني.
أوتاوا… لقاء تحت راية الأرز
وفي العاصمة أوتاوا، شهدت مراسم رفع العلم اللبناني أمام مقر البرلمان، حضوراً رسمياً ودبلوماسياً ومشاركة من أبناء الجالية، في تقليد يتكرر للسنة الرابعة على التوالي.
وشارك في المناسبة الوزير يوسف رجي والوزيرة لينا متلج دياب، وسفير لبنان لدى كندا بشير طوق، وسفير كندا لدى لبنان غريغوري غاليغان، والنائبان الكنديان من أصل لبناني فيصل الخوري وزياد أبو لطيف، إلى جانب عدد من النواب وممثلي الجالية.
وجمعت المراسم رمزية المكان برسالة المناسبة؛ فأمام المؤسسة البرلمانية التي أقرت تخصيص شهر للتراث اللبناني، ارتفع العلم تكريماً لإسهامات أجيال من اللبنانيين الكنديين، ولعلاقة بناها الناس بقدر ما عززتها المؤسسات.
وبحسب المعلومات المرسلة إلى الصحيفة بشأن كلمة السفير بشير طوق، أعرب السفير عن اعتزازه بالمشاركة للمرة الأولى في هذه المناسبة بصفته سفيراً للبنان، مرحباً بالوزير رجي والوزيرة دياب والحاضرين. وشدد على أن الشهر يشكل فرصة لإبراز قصص اللبنانيين وتقاليدهم ودورهم في إثراء المجتمع الكندي، ويعكس الروابط التاريخية والإنسانية بين البلدين.
لينا دياب… الاعتراف بالتراث وإسهامات أصحابه
وفي كلمتها خلال الاحتفال، رحبت الوزيرة لينا متلج دياب بالوزير رجي، وأشادت بالعلاقة بين لبنان وكندا وبالتواصل الوثيق بين الشعبين. وأوضحت أن رفع العلم يحمل اعترافاً بما قدمه اللبنانيون إلى كندا في مجالات متعددة، وبقدرتهم على الحفاظ على ثقافتهم وتقاليدهم خلال مشاركتهم في مجتمعهم الكندي.
وفي المنشور الذي نقلته عنها المعلومات المقدمة للصحيفة، كتبت دياب:
«رفعنا اليوم العلم اللبناني على تلة البرلمان للسنة الرابعة على التوالي، احتفاءً بالجالية اللبنانية-الكندية النابضة بالحياة والروابط العميقة التي تجمع كندا ولبنان».
وأعربت عن اعتزازها باستقبال وزير الخارجية اللبناني والوقوف إلى جانب أبناء الجالية الذين تواصل قصصهم وثقافتهم وإسهاماتهم إثراء كندا.
ولدياب علاقة شخصية وتشريعية بهذه المناسبة. فقد تحدثت في البرلمان عن كونها ابنة مهاجرين لبنانيين من بلدة الديمان، وعن تجربتها في الحفاظ على اللغة والثقافة والتقاليد. وقدمت مشروع القانون C-268، قبل أن تدعم في مجلس العموم مشروع S-246 الذي قادته في مجلس الشيوخ جين كوردي، وصولاً إلى اعتماد شهر التراث اللبناني عام 2023.
رجي: بناء دولة تستحق ثقة الاغتراب
وحملت كلمة وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي رسالة إلى اللبنانيين الكنديين بشأن مستقبل علاقتهم بلبنان. فشكر دياب وجين كوردي وكل من ساهم في إقرار شهر التراث اللبناني، وأكد تقديره لدعم كندا للمؤسسات اللبنانية.
وتناول رجي التحديات التي تواجه بلاده، مشدداً على استعادة سلطة الدولة وقرارها، ومقراً بصعوبة إعادة بناء مؤسسات أضعفتها الأزمات المتراكمة. وربط ذلك بضرورة قيام علاقة مع المغتربين تقوم على الثقة بمستقبل لبنان.
وفي أبرز رسائله، قال إن لبنان يريد «بناء دولة تستحق ثقتهم ومواهبهم وأحلامهم»، موجهاً إلى الشباب عبارة: «لبنان وطنكم أنتم أيضًا».
وتضع هذه الرسالة أبناء الجيلين الثاني والثالث في قلب العلاقة مع الوطن الأم، بوصفهم أصحاب صلة حية بمستقبله. كما تطرح أمام الدولة اللبنانية مسؤولية توفير ما يشجعهم على الزيارة والتواصل والمشاركة، ويمنحهم أسباباً عملية للحفاظ على هذه العلاقة.
من الاحتفال إلى ملف الرحلات المباشرة

وعلى هامش الزيارة، بحث رجي مع وزير النقل الكندي ستيفن ماكينون ملف استئناف العمل بخط الطيران المباشر بين لبنان وكندا. وأعلن الوزير اللبناني أن الجانبين اتفقا على متابعة الموضوع عبر القنوات المختصة في البلدين.
ويحظى الملف بأهمية لدى العائلات اللبنانية الكندية، إذ يرتبط بسهولة زيارة الأقارب وتواصل الأجيال مع لبنان، إلى جانب حركة السفر والأعمال. لكن المباحثات المعلنة لا تتضمن موعداً لاستئناف الرحلات أو إعلان تشغيل خط مباشر، ويبقى ما تحقق حتى الآن اتفاقاً على المتابعة.
وتزامن الحضور اللبناني في احتفالات التراث مع برنامج دبلوماسي أوسع؛ فقد أعلنت الخارجية الكندية عن لقاء مقرر في 6 نوفمبر بين الوزيرة أنيتا أناند والوزير رجي، لبحث التعاون ودعم المؤسسات اللبنانية والاستقرار والسيادة.
شهر وطني وحضور في مدن كندية أخرى
ولا يقتصر الاعتراف بشهر التراث اللبناني على أوتاوا ووندسور. ففي تورونتو، أعلنت البلدية نوفمبر 2026 شهراً للتراث اللبناني، مشيدة بإسهامات الجالية الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية، وداعية إلى التعرف إلى تاريخها وعاداتها وتقاليدها.
ويمنح هذا الاعتراف المناسبة امتداداً يتجاوز مراسم رفع الأعلام. فكل إعلان بلدي أو نشاط تعريفي يتيح لأبناء الجالية مشاركة تراثهم مع جيرانهم وزملائهم، ويمنح بقية المجتمع فرصة للتعرف إلى جانب من التاريخ الكندي صنعته الهجرة اللبنانية.
أما مونتريال وهاليفاكس، فتحتلان موقعاً في البدايات التاريخية لهذا الحضور. وبحسب البيان الفدرالي الصادر بمناسبة الشهر، استقر فيهما مهاجرون لبنانيون منذ أوائل ثمانينيات القرن التاسع عشر، قبل أن تتسع المجتمعات اللبنانية في أنحاء البلاد.
ولذلك تتصل احتفالات نوفمبر بمسار طويل من الاستقرار وتأسيس الأسر وبناء المؤسسات. وتختلف أشكال إحياء الشهر بين المدن والهيئات، فيما يجمعها الاعتراف بإسهامات اللبنانيين الكنديين وإتاحة المجال للتعريف بتراثهم.
لماذا نوفمبر؟
أقر البرلمان الكندي عام 2023 قانون شهر التراث اللبناني، الذي يخصص نوفمبر من كل عام لهذه المناسبة في أنحاء كندا. وتذكر ديباجة القانون إسهامات الكنديين اللبنانيين الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية والعسكرية والخيرية والسياسية، وتربط المناسبة بذكرى استقلال لبنان في 22 نوفمبر 1943.
ويشجع الاعتراف القانوني أبناء الجالية على مشاركة ثقافتهم مع جميع الكنديين. وهو يمنح المدارس والجمعيات والمؤسسات مناسبة للتعريف بالتاريخ اللبناني وتجارب الهجرة، وبالمساهمات التي أصبحت جزءاً من المجتمع الكندي.
وفي بيان مشترك صدر في الأول من نوفمبر 2026، احتفى وزير الهوية والتراث الكندي مارك ميلر والوزيرة دياب بالدورة الرسمية الرابعة للمناسبة، وأشادا بما قدمته أجيال من اللبنانيين الكنديين، من الفنون وريادة الأعمال إلى العلوم والعمل المجتمعي.
تراث ينتقل مع الأجيال
يحمل شهر التراث اللبناني فرصة للتفكير في كيفية انتقال الذاكرة من جيل إلى آخر: في اللغة التي يسمعها الطفل في المنزل، والحكايات التي يرويها الأجداد، والموسيقى والمائدة والعادات، وفي زيارة تمنح اسم القرية أو المدينة مكاناً حقيقياً في ذاكرته.
وتكتمل قيمة المناسبة حين تصبح مشاركة مفتوحة، تتيح للشباب التعرف إلى جذورهم بطريقتهم، ولغير اللبنانيين اكتشاف هذا التراث بعيداً عن الصور المختصرة. فالحفاظ على الثقافة يحتاج إلى مساحة للحوار والتعلم، وإلى مؤسسات وأسر تجعلها قريبة من الحياة اليومية.
ومن أوتاوا إلى وندسور، يختصر العلم المرتفع جانباً من هذه الحكاية: عائلات بنت مستقبلاً في كندا، وحملت معها ذاكرة لبنان، وأجيال تستطيع أن تعتز بجذورها وهي تؤدي دورها الكامل في وطنها الكندي.





























