
وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخميس، مرسوماً يسمح بتنفيذ مشروع خط أنابيب نفطي مع كندا، في خطوة تهدف إلى إعادة تشغيل بعض أجزاء مشروع Keystone XL، وفق ما نقلته وكالة رويترز. ويهدف المشروع إلى نقل النفط الخام الكندي من الحدود الكندية إلى ولاية وايومنغ الأميركية، ما قد يعزز صادرات كندا النفطية إلى الولايات المتحدة في حال اكتماله. وكان المشروع بحاجة إلى تصريح رئاسي أميركي حتى يتمكن من المضي قدماً، وهو ما وقّعه ترامب بعد ظهر الخميس.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن خط الأنابيب المقترح من شركة South Bow الكندية، بالشراكة مع شركة Bridger Pipeline الأميركية، قد يؤدي إلى زيادة صادرات النفط الخام الكندي إلى الولايات المتحدة بأكثر من 12%. ويختلف المسار الجديد المقترح داخل الولايات المتحدة عن المسار السابق لمشروع Keystone XL، الذي كان قد ألغاه الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عام 2021، بعد سنوات من الاعتراضات من جانب جماعات السكان الأصليين والمدافعين عن البيئة. ورغم حصول المشروع على الضوء الأخضر الرئاسي، لا يزال بحاجة إلى موافقات تنظيمية من السلطات المعنية على مستوى الولايات قبل أن يدخل حيّز التنفيذ.
لماذا لا تنجح الرسوم الأميركية؟
فرضت إدارة ترامب رسومًا جمركية بهدف حماية صناعاتها المحلية والضغط على الشركاء التجاريين، ولكن مؤشرات السوق تشير إلى أن هذه السياسات لم تحقق التأثير المتوقع على المستهلكين والشركات في كندا، بل دفعتهم إلى تغيير سلوكهم الشرائي بطرق أكثر مرونة وفعالية.
إليكم عشرة أسباب لعدم نجاح الرسوم الجمركية الأمريكية مع المشترين الكنديين:
1. التحول السريع إلى موردين بديلين:
عند فرض رسوم إضافية على المنتجات الأمريكية، لا يدخل المشترون الكنديون في جدل أو اعتراض، بل يتجهون مباشرة إلى أسواق بديلة مثل أوروبا وآسيا، حيث يجدون أسعارًا تنافسية وشروطًا تجارية أكثر استقرارًا، ما يقلل اعتمادهم على المورد الأمريكي.
2. الاستيراد المباشر لتقليل التكاليف:
بدلاً من شراء منتجات تمر عبر الولايات المتحدة، تلجأ الشركات الكندية إلى الاستيراد المباشر من الدول المصنعة، خاصة إذا كان المنتج أصلاً يُنتج خارج أمريكا، ما يختصر التكاليف ويقلل من التعقيدات الجمركية.
3. مرونة سلاسل التوريد الحديثة:
التطور في التجارة العالمية جعل تغيير الموردين عملية سريعة نسبيًا، حيث يمكن للشركات إعادة ترتيب سلاسل التوريد خلال أسابيع قليلة، بدلًا من سنوات كما كان في السابق، مما يقلل تأثير أي قيود تجارية مفاجئة.
4. قوة البنية اللوجستية الكندية:
تمتلك كندا موانئ رئيسية مثل فانكوفر ومونتريال تربطها مباشرة بأسواق آسيا وأوروبا، إضافة إلى شبكات نقل متطورة، ما يسهل استيراد السلع دون الحاجة إلى المرور عبر الولايات المتحدة.
5. تراجع الثقة في استقرار الأسعار الأمريكية:
التغيرات المفاجئة في الرسوم والتكاليف تجعل الشركات الكندية ترى المورد الأمريكي كمصدر غير مستقر، وهو ما يدفعها للبحث عن شركاء تجاريين يوفرون وضوحًا أكبر في الأسعار على المدى الطويل.
6. استجابة المستهلكين الفورية لارتفاع الأسعار:
المستهلك الكندي يتفاعل بسرعة مع أي زيادة في الأسعار، فإذا ارتفع سعر منتج أمريكي بنسبة ملحوظة، يتم استبداله ببديل آخر خلال فترة قصيرة، خاصة إذا لم يكن هناك فرق كبير في الجودة.
7. تضرر الشركات الأمريكية الصغيرة بشكل خاص:
الشركات الكبرى قد تتمكن من امتصاص تأثير الرسوم أو نقل الإنتاج، لكن الشركات الصغيرة تفقد قدرتها التنافسية بسرعة، ما يؤدي إلى خسارة عملائها في السوق الكندية تدريجيًا.
8. تعزيز المنافسة الدولية بدلًا من المحلية:
بدلًا من دعم الصناعة الأمريكية، فتحت الرسوم المجال أمام شركات من دول أخرى لدخول السوق الكندية، ما أدى إلى زيادة المنافسة العالمية وتقليل الحصة السوقية للمنتجات الأمريكية.
9. زيادة التعقيدات الإدارية دون قيمة مضافة:
الرسوم الجمركية تضيف أعباء مثل التأخير في الشحن والإجراءات الورقية والتكاليف الإدارية، دون أن تقدم أي تحسين في جودة المنتج، ما يجعل البدائل الأبسط أكثر جاذبية.
10. تحول تجنب الرسوم إلى استراتيجية دائمة:
بعد نجاح الشركات في تجاوز تأثير الرسوم، أصبح هذا السلوك نهجًا مستقرًا وليس حلًا مؤقتًا، حيث تفضل الشركات والمستهلكون الخيارات الأكثر وضوحًا واستقرارًا حتى لو تغيّرت السياسات لاحقًا.
تقييم أداء كارني بعد عام على حكمه
في 28 أبريل 2025، انتخب الكنديون السياسي الجديد مارك كارني نائبًا في البرلمان ورئيسًا للوزراء، في انتقال لافت من مسيرة طويلة في عالم المال والمصارف المركزية إلى قيادة حزب ليبرالي كان يعاني من التراجع، ثم إلى أعلى منصب سياسي في البلاد.
وقد لعب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دورًا محوريًا في صعود كارني السياسي.
فهجماته على التعرفة الجمركية، والمؤسسات الدولية، وحلف الناتو، وقواعد التجارة العالمية، والسيادة الكندية — فضلًا عن خطابه الذي أثار جدلًا واسعًا حول الديمقراطية واللياقة — جعلت من سؤال: من الأقدر على التعامل مع ترامب؟ محورًا رئيسيًا في الانتخابات.
وكان جواب الكنديين: مارك كارني.
وبعد عام على توليه المنصب، يتمتع كارني بتقدم مريح في استطلاعات الرأي، وبأغلبية برلمانية جديدة بعد سلسلة من انتقالات النواب وثلاثة انتصارات في انتخابات فرعية.
لكن الاضطراب العالمي الذي تسببت به سياسات ترامب لم يتراجع، بل ازداد.
فما هو تقييم أداء كارني في خمسة ملفات أساسية؟
أولًا: ترامب والتعرفة الجمركية
عند سؤاله عن كيفية إدارته العلاقة مع ترامب، يجيب كارني: “احترام دون خضوع”.
ورغم أن ترامب خفف من لهجته تجاه كندا، وتحسنت العلاقة بين الزعيمين مقارنة بفترة جاستن ترودو، فإن التقدم على صعيد التعرفة الجمركية ما زال محدودًا.
ويعتمد كارني على استراتيجية “التكيّف الانتقائي”، إذ ألغى ضريبة الخدمات الرقمية ورفع معظم الرسوم المضادة التي فرضتها كندا، على أمل التوصل إلى اتفاق تجارة جديد مع إدارة ترامب.
لكن شكل هذا الاتفاق ما زال غامضًا:
– هل سيكون ثلاثيًا؟
– أم اتفاقين منفصلين مع كندا والمكسيك؟
– هل سيكون شاملًا أم قطاعيًا يركز على صناعات مثل الصلب والألمنيوم والسيارات؟
– وهل سيطالب ترامب كندا بمجاراة سياسات واشنطن تجاه الصين أو إلغاء إدارة الإمدادات في قطاع الألبان؟
وعلى صعيد مراجعة اتفاق CUSMA، عزز كارني الفريق الكندي بتعيين جانيس شاريت كبيرة المفاوضين التجاريين، ومارك وايزمان سفيرًا لدى الولايات المتحدة، وغلين بورفز نائبًا لوزير التجارة الدولية — وهي تشكيلة تجمع الخبرة والقدرة.
ومع اقتراب انتخابات منتصف الولاية الأمريكية التي تشير التوقعات إلى خسارة الجمهوريين فيها، قد يكون الوقت في صالح كارني.
لكن ترامب — كما أشار وزير الخزانة الأمريكي الأسبق بوب روبين — نجح في نشر معلومات مضللة حول فوائد التجارة مع كندا، بينما التزمت الشركات الأمريكية الصمت.
ثانيًا: تعزيز النمو والإنتاجية
ورث كارني اقتصادًا ضعيف النمو يعتمد على الهجرة واسعة النطاق للعمالة منخفضة المهارة.
وقد حظي تحوّله نحو الاستثمار بدل إعادة التوزيع، وتنويع أسواق الصادرات، وتوسيع صادرات الطاقة والموارد الطبيعية، بتقييمات إيجابية.
كما أن الصراع في إيران والقلق حول مضيق هرمز عززا أهمية الغاز الطبيعي المسال والنفط الكندي في آسيا وأوروبا.
لكن المنافسة العالمية تتسارع — فالاتحاد الأوروبي أبرم اتفاقات مع الهند وميركوسور وأستراليا — وعلى كارني تحويل القيم المشتركة إلى اتفاقات ملموسة.
مثال على ذلك: سمحت الحكومة بدخول 49 ألف سيارة كهربائية صينية إلى كندا بالتعرفة العادية التي تُفرض على أي دولة أخرى، بدون رسوم إضافية أو عقوبات خاصة، ما دفع الصين إلى خفض الرسوم على الكانولا.
لكن الخطوة المقبلة يجب أن تربط ذلك بتصنيع هذه السيارات داخل كندا.
أما إزالة الحواجز التجارية بين المقاطعات — التي قد ترفع الناتج المحلي بنسبة 7% وفق صندوق النقد الدولي — فما زالت متعثرة رغم إزالة الحواجز الفدرالية البسيطة.
وفي ملف الموارد، شكّل نقل مكتب المشاريع الكبرى إلى كالجاري إشارة قوية للغرب وللمستثمرين بأن كندا ستخفف الإجراءات التنظيمية المعقدة.
والآن، كما تقول الرئيسة التنفيذية للمكتب داون فاريل، حان وقت بدء تنفيذ المشاريع فعليًا.
ثالثًا: العجز المرتفع والدين المتصاعد
يعد هذا الملف أحد أكبر تحديات كارني بعد ملف ترامب.
ففي ميزانيته الأولى، بلغ العجز المتوقع 78.3 مليار دولار في 2025–2026، لينخفض قليلًا إلى 65.4 مليارًا في 2026–2027، بينما يرتفع الدين إلى 1.4 تريليون دولار، وتصل نسبة الدين إلى الناتج المحلي إلى 43.1%.
وتشير التوقعات إلى أن هذه الأرقام لن تتحقق بسبب المبادرات غير الممولة التي أعلنها كارني منذ ميزانية أكتوبر، إضافة إلى التدهور الاقتصادي العالمي نتيجة الحرب على إيران.
ورغم أن صافي الدين الكندي هو الأدنى في مجموعة السبع، فإن الدين الإجمالي أصبح في منتصف ترتيب المجموعة عند 113% من الناتج.
ويحتاج كارني إلى مرساة مالية واضحة تقوم على خفض نسبة الدين إلى الناتج، مع توقعات مالية موثوقة واحتياطي طوارئ.
والتحدي هو تحقيق توازن بين الاستثمار المستهدف وخفض الإنفاق بشكل جراحي، على غرار مراجعة البرامج التي نفذتها حكومة جان كريتيان سابقًا.
رابعًا: مضاعفة الإنفاق الدفاعي
بعد سنوات من التقصير في الإنفاق الدفاعي، نجحت حكومة كارني في بلوغ هدف الناتو البالغ 2% من الناتج المحلي خلال عامها الأول.
لكن الهدف الجديد — 5% بحلول 2035 — سيشكل ضغطًا هائلًا على المالية العامة، ويتطلب خطة أمن قومي جديدة.
ويُعد الأمن في القطب الشمالي محورًا أساسيًا، مع ذوبان الجليد وازدياد النشاط الروسي والصيني والأمريكي، ووجود احتياطيات ضخمة من المعادن الحيوية.
ومع تراجع موثوقية الولايات المتحدة كشريك دفاعي، تحتاج كندا إلى تعزيز قدراتها في الكشف والردع والدفاع.
خامسًا: الاضطراب الدولي
أبرز حدث عالمي في عام كارني الأول كان خطابه في منتدى دافوس، حيث قال بوضوح إن النظام الدولي القائم على القواعد قد انتهى.
وقد اعتُبر الخطاب من أهم خطابات السياسة الخارجية في السنوات الأخيرة، ووصفه ديفيد كوسنت — كاتب خطابات الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون — بأنه “درس متقن في كيفية إلقاء خطاب مؤثر”.
ومع دخوله عامه الثاني، وأمام أغلبية برلمانية جديدة وعالم أكثر اضطرابًا، يصبح التنفيذ السريع والفعّال لجدول أعماله الطموح أمرًا حاسمًا.
فوجود خطة أفضل من غيابها.. والسرعة تصنع الفارق




























