
تشهد كندا تصاعدًا لافتًا في حالات الإعسار المالي، في مؤشر جديد على حجم الضغوط التي تواجه الأسر والمستهلكين نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراكم الديون، وضعف القدرة على تحمّل أعباء الاقتراض. وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه تكلفة السكن والفائدة والسلع والخدمات تشكل عبئًا كبيرًا على ميزانيات العديد من الأسر الكندية.
وتشير البيانات الأخيرة الصادرة عن مكتب مراقب الإفلاس الكندي إلى أن حالات إعسار المستهلكين في الربع الثاني من عام 2026 وصلت إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ عام 2009، في أعقاب الأزمة المالية العالمية. فقد بلغ عدد ملفات إعسار المستهلكين خلال الربع الثاني 37,523 ملفًا، بزيادة قدرها 6.9 في المئة مقارنة بالربع الثاني من عام 2025، ليكون هذا الربع الأعلى منذ عام 2009. كما أن هذه هي المرة الثانية على التوالي التي تتجاوز فيها مستويات إعسار المستهلكين مستويات عام 2009.
أكثر من 37 ألف ملف خلال ثلاثة أشهر
تكشف أرقام الربع الثاني حجم المشكلة بصورة أوضح من التركيز على شهر واحد فقط. فقد سجلت كندا 37,523 حالة إعسار للمستهلكين بين أبريل ويونيو 2026، بزيادة 402 حالة عن الربع الأول من العام.
والأهم أن الزيادة لم تكن ناتجة فقط عن ارتفاع حالات الإفلاس التقليدي، إذ تشير البيانات إلى أن الكنديين يلجأون بدرجة كبيرة إلى مقترحات المستهلكين، وهي آلية تسمح للشخص المتعثر بالتفاوض مع دائنيه لإعادة تنظيم الديون وتسديدها وفق شروط وفترة زمنية جديدة.
وخلال الربع الثاني، تم تسجيل نحو 8,600 حالة إفلاس للمستهلكين، بزيادة 13.5 في المئة عن الربع الأول و10.3 في المئة مقارنة بالربع الثاني من العام الماضي.
وفي المقابل، بلغ عدد مقترحات المستهلكين نحو 28,923 مقترحًا، بزيادة سنوية بلغت 5.9 في المئة، رغم تراجعها بنحو 2 في المئة مقارنة بالربع الأول.
وهذه الأرقام تعني أن غالبية الأشخاص الذين يدخلون إجراءات الإعسار لا يختارون بالضرورة الإفلاس المباشر، بل يبحثون عن طريقة لإعادة ترتيب ديونهم والاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من أصولهم.
ما المقصود بالإعسار المالي؟
من المهم التمييز بين مفهوم الإعسار المالي وبين الإفلاس فقط.
فالإعسار في كندا يشمل، وفق الإطار المنظم بموجب قانون الإفلاس والإعسار الكندي، إجراءات الإفلاس ومقترحات إعادة هيكلة الديون. وتعرّف الحكومة الإفلاس بأنه الحالة التي يقوم فيها المستهلك أو الشركة بالتنازل عن ممتلكاته أو تصدر بحقّه أوامر إفلاس، بينما تتيح مقترحات المستهلكين إعادة التفاوض على شروط سداد الديون.
وبالتالي، فإن ارتفاع عدد ملفات الإعسار لا يعني أن جميع هؤلاء الأشخاص فقدوا منازلهم أو سياراتهم أو أعلنوا إفلاسهم بالكامل. ففي كثير من الحالات يكون الهدف هو الوصول إلى اتفاق مع الدائنين يسمح بتخفيض الالتزامات أو تمديد فترة السداد أو إعادة تنظيم المدفوعات.
وتظهر أهمية هذا الخيار في البيانات الحكومية؛ ففي الاثني عشر شهرًا المنتهية في مايو 2026، شكّلت ملفات إعسار المستهلكين 96.8 في المئة من إجمالي ملفات الإعسار في كندا، بينما شكّلت مقترحات المستهلكين نحو 78.3 في المئة من حالات إعسار المستهلكين.
الأسر هي الأكثر تضررًا
اللافت في الأرقام الكندية أن الأزمة الحالية تبدو بصورة أساسية أزمة ديون أسرية أكثر من كونها أزمة إفلاس للشركات.
ففي الاثني عشر شهرًا المنتهية في 31 مايو 2026، ارتفعت حالات إعسار المستهلكين بنسبة 5.2 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وارتفعت حالات إفلاس المستهلكين بنسبة 7.9 في المئة، فيما زادت مقترحات المستهلكين بنسبة 4.5 في المئة.
وفي المقابل، تراجعت حالات إعسار الشركات خلال الفترة نفسها بنسبة 10.9 في المئة مقارنة بالاثني عشر شهرًا السابقة. وهذا يعكس فرقًا مهمًا بين الضغوط التي تواجه قطاع الأعمال وبين الضغوط التي تواجه الأسر الكندية.
بمعنى آخر، فإن الصورة الحالية لا تشير إلى موجة إفلاس واسعة للشركات بقدر ما تشير إلى تزايد صعوبة إدارة الديون الشخصية والأسرية.
لماذا تتزايد حالات الإعسار؟
يرتبط جزء كبير من هذه الضغوط بارتفاع حجم الديون التي تراكمت لدى الأسر خلال السنوات الماضية.
ويشير تشارلز سانت أرنو، كبير الاقتصاديين في Servus Credit Union، إلى أن ارتفاع ديون الأسر وتراجع القوة الشرائية فرضا ضغوطًا قوية على الأوضاع المالية للكنديين.
كما أشار إلى أن بيانات الإعسار كانت متقلبة خلال العام الماضي، لكنها بدأت تستقر عند مستويات مرتفعة، بينما تظل الأسر والمستهلكون في صدارة ملفات الإعسار. وتُظهر تحليلات البيانات أن مقترحات إعادة التفاوض على الديون تمثل الجزء الأكبر من الملفات.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة أن التضخم ما زال في أعلى مستوياته، لكن الأسعار التي ارتفعت خلال السنوات الماضية لا تعود تلقائيًا إلى مستوياتها السابقة عندما يتراجع معدل التضخم.
فإذا كانت الأسرة تدفع اليوم مبالغ أكبر للسكن والغذاء والتأمين والنقل والكهرباء والاتصالات، فإن انخفاض معدل التضخم لا يعني أن هذه النفقات أصبحت رخيصة؛ بل يعني في كثير من الأحيان أن الأسعار تستمر في الارتفاع ولكن بوتيرة أبطأ.
وهذا يفسر لماذا يشعر كثير من الكنديين بأن دخولهم لم تعد تكفي كما كانت في السابق، حتى عندما تبدو بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية أكثر استقرارًا.
السكن والرهون العقارية في قلب المشكلة
يأتي ارتفاع الإعسار في مرحلة حساسة بالنسبة لسوق الإسكان الكندي، خصوصًا مع استمرار تجديد الرهون العقارية التي حصل عليها أصحاب المنازل خلال فترة أسعار الفائدة المنخفضة.
فعدد من المقترضين الذين حصلوا على قروض عقارية بأسعار منخفضة في السنوات السابقة واجهوا، عند التجديد، أسعار فائدة أعلى بكثير من تلك التي اعتادوا عليها.
وتشير تحليلات ائتمانية إلى أن صدمة إعادة تمويل الرهون العقارية ستبلغ ذروتها في عام 2026، مع تعرض نسبة من المقترضين لارتفاعات كبيرة في المدفوعات الشهرية. ووفق تحليل CIBC، فإن نحو 5 إلى 6 في المئة من المقترضين قد يواجهون في 2026 ارتفاعًا في مدفوعات الرهن يزيد على 40 في المئة.
وهذا لا يعني أن جميع هؤلاء المقترضين سيتجهون إلى الإفلاس، لكنه يوضح حجم الضغط الذي يمكن أن تتعرض له ميزانية الأسرة عندما ترتفع تكلفة السكن في الوقت نفسه الذي ترتفع فيه أسعار الاحتياجات اليومية.
كما أن انخفاض قيمة بعض العقارات يزيد المشكلة تعقيدًا بالنسبة إلى بعض أصحاب المنازل، لأن تراجع قيمة العقار قد يقلل من قدرتهم على استخدام حقوق الملكية في المنزل لإعادة تمويل ديون أخرى.
الديون الاستهلاكية وبطاقات الائتمان
هناك عامل آخر يتمثل في الاعتماد المتزايد على الائتمان لتغطية النفقات اليومية.
فعندما لا يكفي الدخل الشهري لتغطية الإيجار أو الرهن العقاري، والطعام، والسيارة، والتأمين، والفواتير الأخرى، قد تلجأ الأسرة إلى بطاقات الائتمان أو خطوط الائتمان لتغطية العجز.
المشكلة أن هذا الحل المؤقت قد يتحول إلى دائرة من الديون، خصوصًا عندما تتراكم الفوائد وتصبح الدفعات الشهرية جزءًا كبيرًا من الدخل.
وتشير بيانات وتحليلات حديثة إلى أن ارتفاع ديون بطاقات الائتمان والضرائب كان من العوامل المرتبطة بزيادة حالات إعسار المستهلكين في 2026. كما أن بعض أصحاب المنازل الذين كانوا يعتمدون سابقًا على ارتفاع قيمة ممتلكاتهم وإعادة التمويل لسداد الديون أصبحوا يجدون صعوبة أكبر في استخدام هذه الاستراتيجية مع ضعف سوق الإسكان في بعض المناطق.
ارتفاع الإعسار لا يعني بالضرورة انهيار الاقتصاد
ورغم خطورة الأرقام، فإن من المهم عدم تفسيرها على أنها دليل مباشر على أن كندا دخلت أزمة مالية شبيهة تمامًا بأزمة 2008-2009.
فمكتب مراقب الإفلاس نفسه ينبه إلى أن الأرقام الشهرية للإعسار يمكن أن تتقلب بصورة كبيرة، ولذلك فإن الاتجاهات الفصلية والسنوية تكون أكثر دلالة عند تقييم المسار العام للإعسار.
كما أن معدل الإعسار لكل ألف شخص لا يزال، بحسب التحليلات المتاحة، أقل من مستويات الأزمة المالية العالمية، حتى وإن أصبحت أعداد الملفات الإجمالية قريبة من مستويات 2009.
وهذا فرق مهم للغاية، لأن عدد السكان في كندا ارتفع بصورة كبيرة منذ عام 2009. لذلك فإن مقارنة العدد الإجمالي للملفات وحده لا تعطي الصورة الكاملة.
ومع ذلك، فإن وصول حالات إعسار المستهلكين إلى أعلى مستوى فصلي منذ 2009 يظل مؤشرًا قويًا على أن شريحة متزايدة من الأسر تجد صعوبة في التعامل مع التزاماتها المالية.
2025 كان عامًا مرتفعًا أصلًا في الإعسار
المشكلة لم تبدأ في 2026 من الصفر.
فوفق التقرير السنوي لمكتب مراقب الإفلاس، سجلت كندا 145,297 حالة إعسار بموجب قانون الإفلاس والإعسار خلال عام 2025، بزيادة قدرها 1.3 في المئة مقارنة بعام 2024.
وبلغ عدد حالات إعسار المستهلكين وحدهم 140,457 حالة في 2025، مقابل 137,295 حالة في 2024. كما تجاوز إجمالي حالات الإعسار في 2025 مستويات عام 2019، أي العام السابق لجائحة كورونا.
وهذا يعني أن الارتفاع الذي تشهده كندا في 2026 يأتي فوق قاعدة مرتفعة أصلًا.
وبالتالي، فإن الصورة لا تتمثل في قفزة مفاجئة خلال شهر واحد، وإنما في اتجاه متراكم يظهر في بيانات عدة سنوات.
ماذا تعني هذه الأرقام للعائلات الكندية؟
بالنسبة للأسرة العادية، قد تبدأ الأزمة المالية من حدث يبدو بسيطًا: فقدان وظيفة، انخفاض ساعات العمل، ارتفاع الإيجار، تجديد الرهن العقاري، إصلاح سيارة مكلف، فاتورة طبية، أو تراكم رصيد بطاقة ائتمان.
وعندما تكون الميزانية الشهرية مشدودة أصلًا، فإن أي مصروف إضافي قد يدفع الأسرة إلى الاقتراض.
ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض، يصبح سداد الدين نفسه أكثر تكلفة، فتبدأ الأسرة في استخدام الائتمان لتسديد التزامات سابقة، إلى أن تصل في مرحلة معينة إلى النقطة التي لا تستطيع فيها مواصلة السداد.
وهنا يمكن أن تظهر مقترحات المستهلكين أو إجراءات الإفلاس كوسيلة قانونية لإعادة تنظيم الوضع المالي.
وتوضح البيانات أن هذا السيناريو ليس هامشيًا؛ فخلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في مايو 2026، شكّلت ملفات المستهلكين ما يقرب من 97 في المئة من إجمالي ملفات الإعسار في كندا.
هل نحن أمام أزمة جديدة؟
ربما تكون الإجابة الأدق هي أن كندا لا تواجه حاليًا تكرارًا حرفيًا لأزمة 2008-2009، لكنها تواجه مرحلة متزايدة من الضغوط المالية على الأسر.
فارتفاع الإعسار إلى مستويات لم تُسجل منذ أكثر من عقد، وبلوغ إعسار المستهلكين أعلى مستوى فصلي منذ 2009، واستمرار ارتفاع تكلفة السكن والائتمان، كلها مؤشرات تستحق المتابعة.
وفي الوقت نفسه، فإن وجود نسبة كبيرة من مقترحات المستهلكين بدلًا من الإفلاس الكامل يشير إلى أن كثيرًا من الأسر لا تزال تبحث عن حلول لإعادة ترتيب ديونها بدلًا من التخلي الكامل عن التزاماتها.
لكن استمرار هذا الاتجاه قد يصبح أكثر إثارة للقلق إذا تزامن مع ارتفاع البطالة، أو تراجع الدخل الحقيقي، أو استمرار ضعف سوق الإسكان، أو ارتفاع حالات التأخر في سداد القروض.
الخلاصة
الأرقام الأخيرة تقدم رسالة واضحة: الضغوط المالية على الأسر الكندية لم تنتهِ.
ففي الربع الثاني من 2026 وحده، وصل عدد حالات إعسار المستهلكين إلى 37,523 حالة، بزيادة 6.9 في المئة سنويًا، وهو أعلى مستوى فصلي منذ 2009. كما ارتفعت حالات الإفلاس الشخصي بنسبة 10.3 في المئة على أساس سنوي، بينما زادت مقترحات المستهلكين بنسبة 5.9 في المئة.
وفي عام 2025، كان إجمالي ملفات الإعسار قد وصل بالفعل إلى 145,297 حالة، وهو مستوى أعلى من عام 2019 السابق للجائحة.
وبينما لا تعني هذه الأرقام أن كندا تتجه بالضرورة إلى أزمة مالية شاملة، فإنها تؤكد أن عددًا متزايدًا من الأسر يجد نفسه مضطرًا إلى إعادة النظر في طريقة إدارة الديون والإنفاق.
وفي ظل استمرار ارتفاع تكاليف السكن والاقتراض والمعيشة، ستكون قدرة الأسر على امتصاص أي صدمة جديدة — مثل فقدان الوظيفة أو ارتفاع الدفعات الشهرية — عاملًا أساسيًا في تحديد ما إذا كانت حالات الإعسار ستستمر في الارتفاع خلال النصف الثاني من 2026.
المصادر: مكتب مراقب الإفلاس الكندي (OSB)، بيانات الإعسار لعامي 2025 و2026؛ تحليلات Servus Credit Union؛ بيانات وتحليلات ائتمانية كندية؛ ومعلومات منشورة حول اتجاهات إعسار المستهلكين في الربع الثاني من 2026




















