
*بقلم: محمد هشام خليفة / وندسور – كندا
لم يكن استشهاد الشرطي محمد الأمين دفاعا عن الحي اليهودي مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث الكندية، بل كان لحظة مؤلمة أعادت إلى الواجهة قصة آلاف المسلمين الذين اختاروا كندا وطنًا، فساهموا في بنائها وخدموا مؤسساتها، من المستشفيات والمدارس إلى أجهزة الأمن والشرطة والقوات المسلحة.
رحل محمد الأمين وهو يرتدي الزي الرسمي، يؤدي واجبه في حماية المجتمع، شأنه شأن مئات الضباط والجنود والمسعفين والأطباء والمعلمين المسلمين الذين جعلوا خدمة الإنسان قبل أي اعتبار آخر. لقد أثبت هؤلاء، على مدى عقود، أن الانتماء الديني لا يتعارض مع المواطنة الصادقة، وأن المسلم الكندي يمكن أن يكون في الصفوف الأولى دفاعًا عن أمن البلاد وسيادة القانون.
إن الجالية الإسلامية في كندا لم تكن يومًا عبئًا على المجتمع، بل كانت جزءًا أصيلًا من نجاحه. فقد أسست الشركات، وشاركت في الاقتصاد، وساهمت في العمل الخيري، ودفعت أبناءها إلى ميادين الخدمة العامة، حتى أصبح من الطبيعي أن ترى المسلم طبيبًا، وقاضيًا، وأستاذًا جامعيًا، وعضوًا في البرلمان، وصحفيا ورجل شرطة يقدم حياته دفاعًا عن المواطنين، بغض النظر عن دينهم أو أصولهم.
ما فعله الشرطي المسلم محمد الأمين يؤكد على أمرين لا ينبغي الخلط بينهما: فانتقاد حكومة الإحتلال أو معارضة الفكر الصهيوني، يختلف جذريًا عن معاداة اليهود أو استهدافهم بسبب دينهم أو هويتهم.
وأي اعتداء يستهدف أفرادًا أو أحياءً أو مؤسسات يهودية لمجرد انتمائهم الديني هو عمل مدان ومرفوض أخلاقيًا وقانونيًا.
لقد أظهرت الأشهر الماضية أن كثيرًا من الأصوات الداعمة لفلسطين، في كندا وخارجها، أكدت مرارًا أن خلافها سياسي مع حكومة الإحتلال الإسرائيلية وما ترتكبه من انتهاكات بحق المدنيين، وليس مع اليهود كجماعة دينية أو عرقية.
إن دماء محمد الأمين تذكرنا أيضًا بأن قيم كندا لا تُبنى على الانقسام، بل على احترام الإنسان وسيادة القانون. فالشرطي الذي ضحى بحياته لم يسأل عن دين من يحميه، ولا عن عرقه أو خلفيته، وإنما أدى القسم الذي قطعه على نفسه بأن يحمي الجميع.
اليوم، وبينما تنعى كندا أحد أبنائها، تبقى الرسالة الأهم أن المسلمين كانوا وما زالوا جزءًا من نسيج هذا الوطن، يشاركون في أمنه وازدهاره، ويرفضون كل أشكال التطرف والكراهية، سواء استهدفت المسلمين أو مسيحيين أو اليهود أو أي مكون آخر من مكونات المجتمع الكندي.
رحم الله محمد الأمين، وألهم أسرته وزملاءه الصبر والسلوان، وحفظ كندا مجتمعًا يتسع للجميع، قائمًا على العدالة، والاحترام، وسيادة القانون.
رابط العدد الجديد PDF: NEW Issue press here























